ابن عجيبة
127
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
أو : واذكر حاله لتتسلى به وبما عالج مع قومه ، حيث أرسله وقال له : أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، أو : بأن ائت القوم الظالمين بالكفر والمعاصي ، أو : باستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم . قَوْمَ فِرْعَوْنَ : عطف بيان ، تسجيل عليهم بالظلم ، ثم فسرهم ، وقل لهم : أَ لا يَتَّقُونَ اللّه ، ويتركون ما هم عليه من العتو والطغيان . وقرئ بتاء الخطاب ؛ على طريقة الالتفات ، المنبئ عن زيادة الغضب عليهم ، كأنّ ظلمهم أدى إلى مشافهتهم بذلك . وليس هذا نفس ما ناداه به ، بل ما في سورة طه من قوله : إِنِّي أَنَا رَبُّكَ . . « 1 » إلخ ، واختصره هنا لمقتضى المقام . قالَ موسى عليه السّلام ؛ متضرعا إلى اللّه عز وجل : رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ من أول الأمر ، وَيَضِيقُ صَدْرِي بتكذيبهم إياي ، وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي ؛ بأن تغلبني الحمية على ما أرى من المحال ، وأسمع من الجدال ، أو : تغلبني عقدة لساني ، فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ أخي ، أي : أرسل جبريل إليه ، ليكون نبيا معي ، أتقوّى به على تبليغ الرسالة . وكان هارون بمصر حين بعث موسى بجبل الطور . وليس هذا من التعلل والتوقف في الأمر ، وإنما هو استدعاء لما يعينه على الامتثال ، وتمهيد عذره . ثم قال : وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ أي : تبعة ذنب بقتل القبطىّ ، فحذف المضاف ، أو : سمّى تبعة الذنب ذنبا ، كما يسمّى جزاء السيئة سيئة . وتسميته ذنبا بحسب زعمهم . فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ به ؛ قصاصا . وليس هذا تعللا أيضا ، بل استدفاع للبلية المتوقعة ، وخوف من أن يقتل قبل أداء الرسالة ، ولذلك وعده بالكلاءة ، والدفع عنه بكلمة الردع ، وجمع له الاستجابتين معا بقوله : قالَ كَلَّا فَاذْهَبا ؛ لأنه استدفعه بلاءهم ، فوعده بالدفع بردعه عن الخوف ، والتمس منه رسالة أخيه ، فأجابه بقوله : فَاذْهَبا ، أي : جعلته رسولا معك فَاذْهَبا بِآياتِنا أي : مع آياتنا ، وهي اليد والعصا وغير ذلك ، فقوله : فَاذْهَبا : عطف على مضمر ، ينبئ عنه الردع ، كأنه قيل : ارتدع يا موسى عما تظن ، فاذهب أنت ومن استدعيته مصحوبا بآياتنا ، فإنها تدفع ما تخافه . إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ أي : سامعون ما يقال لك ، وما يجرى بينكما وبينه ، فنظهر كما عليه . شبّه حاله تعالى بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة ، فسمع ما يجرى بينهم ، فيمد أولياءه وينصرهم على أعدائهم ؛ مبالغة في الوعد بالإعانة ، فاستعير الاستماع ، الذي هو الإصغاء للسمع ، الذي هو العلم بالحروف والأصوات ، وهو تعليل ؛ للردع عن الخوف ، ومزيد تسلية لهما ، بضمان كمال الحفظ والنصر ، كقوله تعالى : إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى « 2 » . فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ، ليس هذا مجرد تأكيد للأمر بالذهاب ؛ لأن معنى هذا : الوصول إلى المرسل إليه ، والذهاب : مطلق التوجه ، ولم يثنّ الرسول هنا كما ثناه في سورة طه « 3 » ؛ لأن الرسول
--> ( 1 ) الآية 12 من سورة طه . ( 2 ) الآية 46 من سورة طه . ( 3 ) في قوله : إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ ، الآية 47 .